سؤال للقاضي

الاسم:

البريد الإلكتروني:

نص الرسالة :

captcha

×
  • Members

  • Profile photo of Админ

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله الطيبين وأصحابه الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين:

    أما بعد:

    تعد ظاهرة إسقاط الشيوخ وتجريحهم من أبرز خصائص المداخلة المبتدعة, وقد تلبس بعض أنصار المجاهدين بهذه الخصيصة فأسقطوا جمعا من الشيوخ والعلماء الأفاضل لأدنى خلاف معهم.

    فأصبح عندهم العالم جاهلا والحكيم سفيها والرأس ذنبا, ولم يسلم من طعنهم أحد من الشيوخ, بينما يزكون الرويبضات والنكرات المجاهيل ويجعلونهم أئمة الهدى ومصابيح الدجى.

    لسان حالهم “إن اتبعتنا وأثنيت علينا فأنت شيخنا المقدم”, و”إن خالفتنا وانتقدتنا فأنت سفيه جاهل لا تفقه شيئا”.

    يا رُبّ حلوٍ سيصير سُمّا … وربّ حمدٍ سيصير ذما

    يتطاولون على القمم السامقة, وبحور العلم بحجة أنهم خالفوا وانحرفوا وغيروا وبدلوا, صحيح هم خالفوا هوى أبي “شبر” وأبي “قلامة” ومن نحا نحوهم.

    هل يضر البحر أمسى زاخراً … أن رمى فيه صبيٌ بحجرْ

    الجهل والبذاءة والسفاهة هي ردودهم على أهل الفضل والعلم.

    لكلِّ شيءٍ زينةٌ في الوَرَىْ … وزِينةُ المرءِ تمامُ الأدبْ

    قد يَشْرفُ المرءُ بآدابهِ … فينا وإِنْ كانَ وضَيعَ النسبْ

    أمنية هؤلاء أن يرد عليهم الشيوخ ويذكروهم, لكن أحسب أن بعض الشيوخ يتمثلون قول الشاعر:

    يُخاطِبُني السفيهُ بكلِّ قبحٍ … فأكرَهُ أن أكونَ له مجيباً

    يزيدُ سفاهةً وأزيدُ حِلماً … كعودٍ زادَهُ الإِحراقُ طيباً

    وبقول الآخر:

    إِذا نطقَ السفيهُ فلا تجبْهُ … فخيرٌ من إِجابتِه السكوتُ

    سكتُ عن السفيهِ فظنَّ أني … عييت الجوابِ وما عييتُ

    فإِن كَلَّمْتهُ فَرَّجْتَ عنه … وإِن خليته كمداً يموتُ.

    إنها جامية جديدة بلباس جهادي, لسان حالهم “من لم يكن معي فهو ضدي”, “ومن خالف جماعتي فهو ضال”.

    يبدعون المخالفين من العلماء ويضللونهم بل ومنهم من يكفرهم بالشبهات والظنون والاحتمالات.

    قال شيخ الإسلام [مجموع الفتاوى ج35 ص100]:

    فَإِنَّ تَسْلِيطَ الْجُهَّالِ عَلَى تَكْفِيرِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ؛ وَإِنَّمَا أَصْلُ هَذَا مِنْ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ أَئِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ؛ لِمَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ أَخْطَئُوا فِيهِ مِنْ الدِّينِ. وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَجُوزُ تَكْفِيرُهُمْ بِمُجَرَّدِ الْخَطَأِ الْمَحْضِ؛ بَلْ كُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يُتْرَكُ بَعْضُ كَلَامِهِ لِخَطَأِ أَخَطَأَهُ يُكَفَّرُ ولا يُفَسَّقُ؛ بل ولا يَأْثَمُ؛ فإن الله تعالى قال في دُعَاءِ المؤمنين: [رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا] وفي الصَّحِيحِ عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [أن اللَّهَ تَعَالَى قَالَ قَدْ فَعَلْت].هـ

    ومن نافلة القول أن نذكر بمسألة مجمع عليها وهي:أن العلماء ليسوا معصومين, يصيبون ويخطئون, وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا الحبيب صلى الله عليه وسلم.

    قال ابن القيم [إعلام الموقعين]:

    وَالْمُصَنِّفُونَ فِي السُّنَّةِ جَمَعُوا بَيْنَ فَسَادِ التَّقْلِيدِ وَإِبْطَالِهِ وَبَيَانِ زَلَّةِ الْعَالِمِ لِيُبَيِّنُوا بِذَلِكَ فَسَادَ التَّقْلِيدِ، وَأَنَّ الْعَالِمَ قَدْ يَزِلُّ وَلَا بُدَّ؛ إذْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ، فَلَا يَجُوزُ قَبُولُ كُلِّ مَا يَقُولُهُ، وَيُنَزَّلُ قَوْلُهُ مَنْزِلَةِ قَوْلِ الْمَعْصُومِ؛ فَهَذَا الَّذِي ذَمَّهُ كُلُّ عَالِمٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَحَرَّمُوهُ، وَذَمُّوا أَهْلَهُ وَهُوَ أَصْلُ بَلَاءِ الْمُقَلِّدِينَ وَفِتْنَتِهِمْ، فَإِنَّهُمْ يُقَلِّدُونَ الْعَالِمَ فِيمَا زَلَّ فِيهِ وَفِيمَا لَمْ يَزِلَّ فِيهِ، وَلَيْسَ لَهُمْ تَمْيِيزٌ بَيْنَ ذَلِكَ، فَيَأْخُذُونَ الدِّينَ بِالْخَطَأِ – وَلَا بُدَّ – فَيَحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَيُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ وَيُشَرِّعُونَ مَا لَمْ يُشَرِّعْ، وَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ إذْ كَانَتْ الْعِصْمَةُ مُنْتَفِيَةً عَمَّنْ قَلَّدُوهُ، وَالْخَطَأُ وَاقِعٌ مِنْهُ وَلَا بُدَّ.هـ

    فلسنا ممن يتعصبون للشيوخ والعلماء ويقلدونهم تقليدا أعمى.

    قال الحكمي:

    وَكُلُّ ما خالف الوحيين … فَإِنَّهُ رَدٌّ بِغَيْرِ مَيْنِ

    وَكُلُّ مَا فِيهِ الْخِلَافُ نُصِبَا … فَرَدُّهُ إِلَيْهِمَا قَدْ وَجَبَا.

    ولا نجادل في وجوب رد الأقوال الباطلة المخالفة لنصوص الشرع إذا صدرت من أحد العلماء أو الأئمة الأعلام, فهذا أصل عظيم يتميز به أهل الاتباع عن أهل التعصب والابتداع.

    العِلمُ قال اللهُ قال رسولُه … قال الصحابةُ ليسَ بالتَمْويهِ

    ما العلمُ نصْبُك للخلافِ سفاهةً … بينَ الرسولِ وبينَ قولِ فَقيهِ

    قال شيخ الإسلام [مجموع الفتاوى ج19 ص123]:

    وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَى مَنْ اجْتَهَدَ وَإِنْ أَخْطَأَ فَهَذَا النَّوْعُ يُشْبِهُ النَّوْعَ الْأَوَّلَ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ أَمَّا وَجْهُ الْمُخَالَفَةِ فَلِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ مَعْصُومُونَ عَنْ الْإِقْرَارِ عَلَى الْخَطَأِ بِخِلَافِ الْوَاحِدِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْأُمَرَاءِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ مَعْصُومًا مِنْ ذَلِكَ وَلِهَذَا يَسُوغُ بَلْ يَجِبُ أَنْ نُبَيِّنَ الْحَقَّ الَّذِي يَجِبُ اتِّبَاعُهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ بَيَانُ خَطَأِ مَنْ أَخْطَأَ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْأُمَرَاءِ.هـ

    وقال ابن رجب [جامع العلوم والحكم ص223-224]:

    وَمِنْ أَنْوَاعِ النُّصْحِ لِلَّهِ تَعَالَى وَكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ – وَهُوَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ الْعُلَمَاءُ – رَدُّ الْأَهْوَاءِ الْمُضِلَّةِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَبَيَانُ دَلَالَتِهِمَا عَلَى مَا يُخَالِفُ الْأَهْوَاءَ كُلَّهَا وَكَذَلِكَ رَدُّ الْأَقْوَالِ الضَّعِيفَةِ مِنْ زَلَّاتِ الْعُلَمَاءِ، وَبَيَانُ دَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى رَدِّهَا.هـ

    ولا نعارض قول النبي صلى الله عليه وسلم بقول غيره من العلماء مهما بلغوا في العلم والفضل, فإن كان ابن عباس قد أنكر على من عارض قول النبي صلى الله عليه وسلم بقول الصديق والفاروق فمن باب أولى أن ننكر على من عارض قوله بقول غيره من العلماء.

    قال ابن أبي داود في الحائية:

    ودع عنك آراء الرجال وقولهم … فقول رسول الله أزكى وأشرحُ.

    فلا ينبغي لنا الإفراط ولا التفريط في هذا الباب, فلا نعتقد عصمة الشيوخ والعلماء ولا نقدم قولهم على نصوص الوحيين ولا ينبغي أيضا الحط من قدرهم والتطاول عليهم وإسقاطهم لأجل وقوعهم في بعض المخالفات, فلا بد من العدل والإنصاف.

    قال الشيخ ناصر الفهد فك الله أسره [الإعلام بمخالفة الموافقات والاعتصام ص12-13]:

    ويخطئ في هذا المقام طائفتان من الناس:

    الطائفة الأولى: من إذا رأوا صدق العالم وفضله أحبوه وقبلوا جميع أقواله بلا تمحيص، ولم يرضوا بتخطئته، بل يتعدى بعضهم ذلك فلا يأخذ بالكتاب ولا السنة إلا بعد عرضها على قوله، وهذا كله من باب عبادة الأحبار والرهبان والتي ذمها الله سبحانه وتعالى…

    الطائفة الثانية: من إذا رأوا العالم أخطأ أو زل في مسألةٍ أو مسائل قاموا بالضرب على أقواله كلها حقها وباطلها صحيحها وسقيمها، وهذا من الإجحاف والظلم واتباع الهوى، فإن سبيل المسلمين اتباع الحق أينما كان، والحق هو موافقة الكتاب والسنة فمن جاء به قُبِل منه أياً كان.هـ [مختصرا].

    ولقد زكى الله تعالى العلماء في كتابه وأثنى عليهم الثناء الحسن, فالواجب علينا احترام أهل العلم واجتناب الوقيعة فيهم والطعن والإسقاط.

    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْب [البخاري 6502].

    قال الشافعي:

    إِنْ لَمْ يَكُنِ الْفُقَهَاءُ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ, فَمَا لِلَّهِ وَلِيٌ. [أخرجه البيهقي 177].

    وقال الإمام أحمد [المعيد في أدب المفيد والمستفيد ص60]:

    لحوم العلماء مسمومة، من شمها مرض، ومن أكلها مات.هـ

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية [مجموع الفتاوى ج32 ص239]:

    وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَتَّبِعَ زَلَّاتِ الْعُلَمَاءِ كَمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ إلَّا بِمَا هُمْ لَهُ أَهْلٌ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَفَا لِلْمُؤْمِنِينَ عَمَّا أَخْطَئُوا كَمَا قَالَ تَعَالَى: [رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا] قَالَ اللَّهُ: قَدْ فَعَلْت. وَأَمَرَنَا أَنْ نَتَّبِعَ مَا أُنْزِلَ إلَيْنَا مِنْ رَبِّنَا وَلَا نَتَّبِعَ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ وَأَمَرَنَا أَنْ لَا نُطِيعَ مَخْلُوقًا فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ وَنَسْتَغْفِرَ لِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ. فَنَقُولَ: [رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ] الْآيَةَ. وَهَذَا أَمْرٌ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَا كَانَ يُشْبِهُ هَذَا مِنْ الْأُمُورِ. وَنُعَظِّمُ أَمْرَهُ تَعَالَى بِالطَّاعَةِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ؛ وَنَرْعَى حُقُوقَ الْمُسْلِمِينَ؛ لَا سِيَّمَا أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْهُمْ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. وَمَنْ عَدَلَ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ فَقَدْ عَدَلَ عَنْ اتِّبَاعِ الْحُجَّةِ إلَى اتِّبَاعِ الْهَوَى فِي التَّقْلِيدِ وَآذَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا: فَهُوَ مِنْ الظَّالِمِينَ. وَمَنْ عَظَّمَ حُرُمَاتِ اللَّهِ وَأَحْسَنَ إلَى عِبَادِ اللَّهِ كَانَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّقِينَ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.هـ

    وقال ابن أبي العز الحنفي [شرح العقيدة الطحاوية ص439]:

    يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَعْدَ مُوَالَاةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مُوَالَاةُ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ، خُصُوصًا الَّذِينَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، الَّذِينَ جَعَلَهُمُ اللَّهُ بِمَنْزِلَةِ النُّجُومِ، يُهْدَى بِهِمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَدِرَايَتِهِمْ، إِذْ كُلُّ أُمَّةٍ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُلَمَاؤُهَا شِرَارُهَا، إِلَّا الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ عُلَمَاءَهُمْ خِيَارُهُمْ، فَإِنَّهُمْ خُلَفَاءُ الرَّسُولِ مِنْ أُمَّتِهِ، وَالْمُحْيُونَ لِمَا مَاتَ مِنْ سُنَّتِهِ، فَبِهِمْ قَامَ الْكِتَابُ وَبِهِ قَامُوا، وَبِهِمْ نَطَقَ الْكِتَابُ وَبِهِ نَطَقُوا، وَكُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ اتِّفَاقًا يَقِينًا عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلَكِنْ إِذَا وُجِدَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ قَوْلٌ قَدْ جَاءَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ بِخِلَافِهِ -: فَلَا بُدَّ لَهُ فِي تَرْكِهِ مِنْ عُذْرٍ.

    وَجِمَاعُ الْأَعْذَارِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ:

    أَحَدُهَا: عَدَمُ اعْتِقَادِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ.

    وَالثَّانِي: عَدَمُ اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ أَرَادَ تِلْكَ الْمَسْأَلَةَ بِذَلِكَ الْقَوْلِ.

    وَالثَّالِثُ: اعْتِقَادُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ مَنْسُوخٌ.هـ

    فإذا تبين لنا هذا أقول لا مانع من الرد على من يخطئ من العلماء ويخالف في مسائل أصولية كانت أو فرعية لمن كانت عنده أهلية للرد.

    ولا بد من بيان أمرين مهمين لمن يتولى الرد:

    أولا:التثبت من وقوع الشيخ في مخالفة:

    فلا خلاف أن الحكم لن يكون موافقا للواقع إلا إذا أثبتنا أن الشيخ قد وقع في مخالفة, إما عن طريق التصريح من الشيخ نفسه أو عن طريق ما كتبه أو عن طريق شهادة العدول الثقات.

    فإثبات المخالفة لا بد أن تكون ببينة أما الظن والشبهة و”قالوا” و”لعل” و”عسى” لا تنفع في هذا الباب لأننا قد نظلم الشيخ ونقوله ما لم يقله, ومن هذا الباب لا بد من التحذير من الأخذ بأخبار التويتر والفيس بوك هكذا من غير تثبت أو روية أو الأخذ عن القنوات الفضائية والصحف والمجلات هكذا من غير اجتهاد في معرفة صحة النقل من عدمه.

    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» [ذكره مسلم في مقدمة صحيحه].

    وقال مالك: «اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ يَسْلَمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ، وَلَا يَكُونُ إِمَامًا أَبَدًا وَهُوَ يُحَدِّثُ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» [ذكره مسلم في مقدمة صحيحه].

    قال النووي [شرح مسلم ج1 ص75]:

    وَأَمَّا مَعْنَى الْحَدِيثِ وَالْآثَارِ الَّتِي فِي الْبَابِ فَفِيهَا الزَّجْرُ عَنِ التَّحْدِيثِ بِكُلِّ مَا سَمِعَ الْإِنْسَانُ فَإِنَّهُ يَسْمَعُ فِي الْعَادَةِ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ فَإِذَا حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ فَقَدْ كَذَبَ لِإِخْبَارِهِ بِمَا لَمْ يَكُنْ.هـ

    وقال القاري [مرقاة المفاتيح ج1 ص358]:

    وَهَذَا زَجْرٌ عَنِ التَّحْدِيثِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْلَمْ صِدْقُهُ، بَلْ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَبْحَثَ فِي كُلِّ مَا سَمِعَ خُصُوصًا فِي أَحَادِيثِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.هـ

    فالتثبت من وقوع الشيخ في المخالفة يعد ركنا أساسيا, وكل تجريح بني على غير هذا الأساس فهو تجريح باطل لا عبرة به شرعا وعقلا, ولسنا ملزمين بقراءة الردود التي بنيت على الظن والتخمين.

    ثم حين النظر في أقوال الشيخ التي خالف فيها لا بد من الجمع بين أقواله ومحاولة التوفيق بينها بما يوافق ويتماشى مع أصول الشيخ, لأن الكاتب أحيانا قد يجمل في موضع ويفصل في آخر ويعمم في موضع ويخصص في آخر بحسب المقام والحاجة, فلا بد من رد ما تشابه من كلام الشيخ إلى المحكم منه, ولو أمكن التواصل مع الشيخ والاستفسار منه مباشرة قبل الرد والطعن فهو أولى حتى نفهم كلام الشيخ على مراده.

    قال شيخ الإسلام [مجموع الفتاوى ج31 ص114]:

    وَمِنْ أَعْظَمِ التَّقْصِيرِ نِسْبَةُ الْغَلَطِ إلَى مُتَكَلِّمٍ مَعَ إمْكَانِ تَصْحِيحِ كَلَامِهِ وَجَرَيَانِهِ عَلَى أَحْسَنِ أَسَالِيبِ كَلَامِ النَّاسِ.هـ

    وقال ابن القيم [مدارج السالكين ج3 ص 481]:

    وَالْكَلِمَةُ الْوَاحِدَةُ يَقُولُهَا اثْنَانِ، يُرِيدُ بِهَا أَحَدُهُمَا أَعْظَمَ الْبَاطِلِ، وَيُرِيدُ بِهَا الْآخَرُ مَحْضَ الْحَقِّ، وَالِاعْتِبَارُ بِطَرِيقَةِ الْقَائِلِ وَسِيرَتِهِ وَمَذْهَبِهِ، وَمَا يَدْعُو إِلَيْهِ وَيُنَاظِرُ عَلَيْهِ.هـ

    وقال ابن الوزير [العواصم من القواصم ج5 ص13]:

    وكذلك كلُّ من صح عنه من المسلمين ماله وجهان، ومَحمِلان: حَسَنٌ وقبيحٌ، فإنه يُحمل على الوجه الحسن، والمَحمِل الجميل، ولا يحِلُّ لأحد التشكيك في إسلامه، والقدح فيه بسبب ذلك الاحتمال.هـ

    وقد طبق العلماء هذه القاعدة تطبيقا عمليا في كثير من المواضع:

    فهذا الإمام أحمد قد سئل عن قول شعبة: “إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله، وعن الصلاة؟” فقال: لعل شعبة كان يصوم، فإذا طلب الحديث، وسعى فيه؛ يضعف فلا يصوم، أو يريد شيئًا من الأعمال، أعمال البر، فلا يقدر أن يفعله للطلب، فهذا معناه”.ﻫ [شرف أصحاب الحديث ص114].

    ولعل بعض المتحمسين لو قرأ هذا الكلام الذي تلفظ به شعبة لكفره ووصفه بأبشع الأوصاف.

    وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فقد اعتذر وتأول لكثير من أهل العلم, الذين نقل عنهم بعض الكلام المجمل المحتمل, وهذا أحد الأمثلة على ذلك:

    قال رحمه الله [الاستقامة ج2 ص38-39]:

    وأما قَول الشَّيْخ أبي عُثْمَان الْغيرَة من عمل المريدين فَأَما هَل الْحَقَائِق فَلَا فَلم يرد وَالله اعْلَم بذلك الْغيرَة على محارم الله وَهِي الْغيرَة الشَّرْعِيَّة فَإِن قدر الشَّيْخ أبى عُثْمَان اجل من أَن يَجْعَل الْغيرَة الَّتِي وصف الله بهَا نَفسه وَكَانَ رَسُوله فِيهَا اكمل من غَيره وَهِي مِمَّا اوجبه الله واحبه من عمل المريدين دون اهل الْحَقَائِق وانما يَعْنِي الْغيرَة الاصطلاحية الَّتِي يسميها هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخّرُونَ غيرَة.هـ

    وقال الذهبي عن قول ابن حبان “النبوة العلم والعمل” [سير أعلام النبلاء ج12 ص185]:

    قَالَ أَبُو إِسْمَاعِيْلَ عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيُّ, مُؤَلّفُ كِتَابِ “ذم الكَلاَمِ”: سَمِعْتُ عبدَ الصَّمدِ بنَ مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدٍ, سَمِعْتُ أَبِي يَقُوْلُ: أَنكرُوا عَلَى أَبِي حَاتِمٍ بنِ حِبَّانَ قولَهُ: النُّبُوَّةُ العِلْمُ وَالعملُ. فحكمُوا عَلَيْهِ بِالزَّنْدَقَةِ, هُجِرَ، وكُتِبَ فِيْهِ إِلَى الخَلِيْفَةِ, فَكَتَبَ بِقَتْلِهِ.

    قُلْتُ: هَذِهِ حِكَايَةٌ غريبَةٌ, وابن حبان مِنْ كبارِ الأَئِمَةِ, وَلَسْنَا ندَّعي فِيْهِ العِصْمَةَ مِنَ الخَطَأِ, لَكِنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ الَّتِي أَطلقَهَا قَدْ يُطلقُهَا المُسْلِمُ, وَيُطلقُهَا الزِّنديقُ الفيلسوفُ, فَإِطلاَقُ المُسْلِمِ لَهَا لاَ يَنْبَغِي, لَكِنْ يُعتذرُ عَنْهُ, فَنَقُوْل: لَمْ يُردْ حصرَ المبتدأِ فِي الخَبَرِ, وَنظيرُ ذَلِكَ قولُهُ -عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: $”الحَجُّ عَرَفَةٌ”، وَمعلومٌ أنَّ الحاجَّ لاَ يصيرُ بِمُجَرَّدِ الوُقُوْفِ بِعَرَفَةِ حَاجّاً, بَلْ بَقِيَ عَلَيْهِ فروضٌ وَواجبَاتٌ, وَإِنَّمَا ذكرَ مُهمَّ الحَجِّ، وَكَذَا هَذَا, ذكرَ مُهمَّ النُّبُوَّةِ؛ إِذْ مِنْ أَكملِ صفَاتِ النَّبِيِّ كمَالُ العِلْمِ وَالعملِ, فَلاَ يَكُون أَحدٌ نَبِيّاً إلَّا بوجودهما وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ برَّزَ فِيْهِمَا نَبِيّاً؛ لأَنَّ النُّبُوَّةَ مَوْهِبَةٌ مِنَ الحَقِّ تَعَالَى, لاَ حِيْلَةَ للعبدِ فِي اكتسَابِهَا, بَلْ بِهَا يتولَّدُ العِلْمُ اللدنِّي، وَالعملُ الصَّالِحُ.

    وأمَّا الفيلسوفُ فَيَقُوْلُ: النُّبُوَّةُ مكتسبة ينتجها العلم والعمل, فهذا كفرٌ, وَلاَ يريدُهُ أَبُو حَاتِمٍ أَصلاَ، وَحَاشَاهُ.هـ

    وهذا الإمام ابن أبي العز الحنفي اعتذر للطحاوي في كلمته المجملة “لَا تَحْوِيهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ كَسَائِرِ الْمُبْتَدَعَاتِ”, حيث قال [شرح العقدية الطحاوية ص166-167]:

    هُوَ حَقٌّ، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، بَلْ هُوَ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَفَوْقَهُ. وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ، لِمَا يَأْتِي فِي كَلَامِهِ: أَنَّهُ تَعَالَى مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَفَوْقَهُ. فَإِذَا جُمِعَ بَيْنَ كَلَامِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (لَا تَحْوِيهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ كَسَائِرِ الْمُبْتَدَعَاتِ) وَقَوْلُهُ: (مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَفَوْقَهُ) عُلِمَ أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَحْوِيهِ شَيْءٌ، وَلَا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ، كَمَا يَكُونُ لِغَيْرِهِ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ، الْعَالِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ.

    لَكِنْ بَقِيَ مِنْ كَلَامِهِ شَيْئَانِ:

    أَحَدُهُمَا أَنَّ إِطْلَاقَ مِثْلَ هَذَا اللَّفْظِ – مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْإِجْمَالِ وَالِاحْتِمَالِ – كَانَ تَرْكُهُ أَوْلَى، وَإِلَّا تَسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَأَلْزَمَ بِالتَّنَاقُضِ فِي إِثْبَاتِ الْإِحَاطَةِ وَالْفَوْقِيَّةِ وَنَفْيِ جِهَةِ الْعُلُوِّ، وَإِنْ أُجِيبَ عَنْهُ بِمَا تَقَدَّمَ، مِنْ أَنَّهُ نَفَى أَنْ يَحْوِيَهُ شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، فَالِاعْتِصَامُ بِالْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْلَى.

    الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: (كَسَائِرِ الْمُبْتَدَعَاتِ) يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ مَا مِنْ مُبْتَدَعٍ إِلَّا وَهُوَ مَحْوِيٌّ وَفِي هَذَا نَظَرٌ. فَإِنَّهُ إِنْ أَرَادَ أَنَّهُ مَحْوِيٌّ بِأَمْرٍ وُجُودِيٍّ، فَمَمْنُوعٌ، فَإِنَّ الْعَالَمَ لَيْسَ فِي عَالَمٍ آخَرَ، وَإِلَّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وَإِنْ أَرَادَ أَمْرًا عَدَمِيًّا، فَلَيْسَ كُلُّ مُبْتَدَعٍ فِي الْعَدَمِ، بَلْ مِنْهَا مَا هُوَ دَاخِلٌ فِي غَيْرِهِ، كَالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فِي الْكُرْسِيِّ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُنْتَهَى الْمَخْلُوقَاتِ، كَالْعَرْشِ. فَسَطْحُ الْعَالَمِ لَيْسَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ: بِأَنَّ ((سَائِرَ)) بِمَعْنَى الْبَقِيَّةِ، لَا بِمَعْنَى الْجَمِيعِ، وَهَذَا أَصْلُ مَعْنَاهَا، وَمِنْهُ ((السُّؤْرُ))، وَهُوَ مَا يُبْقِيهِ الشَّارِبُ فِي الْإِنَاءِ. فَيَكُونُ مُرَادُهُ غَالِبَ الْمَخْلُوقَاتِ، لَا جَمِيعَهَا، إِذِ السَّائِرُ عَلَى الْغَالِبِ أَدَلُّ مِنْهُ عَلَى الْجَمِيعِ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَيْرُ مَحْوِيٍّ – كَمَا يَكُونُ أَكْثَرُ الْمَخْلُوقَاتِ مَحْوِيًّا، بَلْ هُوَ غَيْرُ مَحْوِيٍّ – بِشَيْءٍ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. وَلَا يُظَنّ بِالشَّيْخِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ مِمَّنْ يَقُولُ إَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ بِنَفْيِ النَّقِيضَيْنِ، كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ، بَلْ مُرَادُهُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يُحِيطَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، وَأَنْ يَكُونَ مُفْتَقِرًا إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا، الْعَرْشِ أَوْ غَيْرِهِ.هـ

    والأمثلة على هذا كثيرة وفيما ذكرناه كفاية.

    • بيان نوع الخلاف:

    الأمر الثاني الأساسي:ينظر في نوع الخلاف مع الشيخ, لأن الخلاف ليس على مرتبة واحدة, فالخطأ مثلا في الأصول ليس كالخطأ في الفروع, فلا ينبغي أن نسوي بين الأمرين وإلا وقعنا في إفراط أو تفريط.

    وحين التحقيق نجد أن الخلاف على قسمين خلاف تنوع وخلاف تضاد.

    قال شيخ الإسلام [اقتضاء الصراط المستقيم ص132]:

    أما أنواعه: فهو في الأصل قسمان: اختلاف تنوع واختلاف تضاد.هـ

    أما الأول وهو خلاف التنوع فهو ليس مذموما شرعا وهو أن يكون المختلفون جميعهم على صواب فيما ذهبوا إليه سواء بثبوت جميع الأقوال شرعا أو أنهم عبروا عن المعنى الواحد المتفق عليه بعبارات مختلفة.

    قال شيخ الإسلام [اقتضاء الصراط المستقيم ج1 ص132-134]:

    واختلاف التنوع على وجوه: منه: ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حقا مشروعا، كما في القراءات التي اختلف فيها الصحابة، حتى زجرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «كلاكما محسن» .

    ومثله اختلاف الأنواع في صفة الأذان، والإقامة، والاستفتاح، والتشهدات، وصلاة الخوف، وتكبيرات العيد، وتكبيرات الجنازة إلى غير ذلك مما قد شرع جميعه، وإن كان قد يقال إن بعض أنواعه أفضل. ثم نجد لكثير من الأمة في ذلك من الاختلاف؛ ما أوجب اقتتال طوائف منهم على شفع الإقامة وإيثارها، ونحو ذلك، وهذا عين المحرم ومن لم يبلغ هذا المبلغ؛ فتجد كثيرا منهم في قلبه من الهوى لأحد هذه الأنواع والإعراض عن الآخر أو النهي عنه، ما دخل به فيما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم. ومنه: ما يكون كل من القولين هو في معنى قول الآخر؛ لكن العبارتان مختلفتان، كما قد يختلف كثير من الناس في ألفاظ الحدود وصيغ الأدلة، والتعبير عن المسميات، وتقسيم الأحكام، وغير ذلك ثم الجهل أو الظلم يحمل على حمد إحدى المقالتين وذم الأخرى.

    ومنه ما يكون المعنيان غيرين لكن لا يتنافيان؛ فهذا قول صحيح، وهذا قول صحيح وإن لم يكن معنى أحدهما هو معنى الآخر، وهذا كثير في المنازعات جدا.

    ومنه ما يكون طريقتان مشروعتان، ورجل أو قوم قد سلكوا هذه الطريق، وآخرون قد سلكوا الأخرى، وكلاهما حسن في الدين. ثم الجهل أو الظلم: يحمل على ذم إحدهما أو تفضيلها بلا قصد صالح، أو بلا علم، أو بلا نية وبلا علم.هـ

    ويلحق بخلاف التنوع اختلاف السلف في تفسير كثير من الآيات.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية [مجموع الفتاوى ج13 ص333]:

    الْخِلَافُ بَيْنَ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ قَلِيلٌ وَخِلَافُهُمْ فِي الْأَحْكَامِ أَكْثَرُ مِنْ خِلَافِهِمْ فِي التَّفْسِيرِ وَغَالِبُ مَا يَصِحُّ عَنْهُمْ مِنْ الْخِلَافِ يَرْجِعُ إلَى اخْتِلَافِ تَنَوُّعٍ لَا اخْتِلَافِ تَضَادٍّ.هـ

    والشاطبي لا يجعل خلاف التنوع من أنواع الخلاف أصلا.

    قال رحمه الله [الموافقات ج5 ص210]:

    مِنَ الْخِلَافِ مَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْخِلَافِ، وَهُوَ ضَرْبَانِ:

    أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ مِنَ الْأَقْوَالِ خَطَأً مُخَالِفًا لِمَقْطُوعٍ بِهِ فِي الشَّرِيعَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ.

    وَالثَّانِي: مَا كَانَ ظَاهِرُهُ الْخِلَافَ وَلَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ كَذَلِكَ، وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَتَجِدُ الْمُفَسِّرِينَ يَنْقُلُونَ عَنِ السَّلَفِ فِي مَعَانِي أَلْفَاظِ الْكِتَابِ أَقْوَالًا مُخْتَلِفَةً فِي الظَّاهِرِ، فَإِذَا اعْتَبَرْتَهَا وَجَدْتَهَا تَتَلَاقَى عَلَى الْعِبَارَةِ كَالْمَعْنَى الْوَاحِدِ، وَالْأَقْوَالِ إِذَا أَمْكَنَ اجْتِمَاعُهَا وَالْقَوْلُ بِجَمِيعِهَا مِنْ غَيْرِ إِخْلَالٍ بِمَقْصِدِ الْقَائِلِ، فَلَا يَصِحُّ نَقْلُ الْخِلَافِ فِيهَا عَنْهُ، وَهَكَذَا يُتَّفَقُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَكَذَلِكَ فِي فَتَاوَى الْأَئِمَّةِ وَكَلَامِهِمْ فِي مَسَائِلِ الْعِلْمِ، وَهَذَا الْمَوْضِعُ مِمَّا يَجِبُ تَحْقِيقُهُ، فَإِنَّ نَقْلَ الْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةٍ لَا خِلَافَ فِيهَا فِي الْحَقِيقَةِ خَطَأٌ، كَمَا أَنَّ نَقْلَ الْوِفَاقِ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ لَا يَصِحُّ.هـ

    وخلاف التنوع لا ينبغي الإنكار فيه ولا التثريب على المخالف فيه.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية [اقتضاء الصراط المستقيم ج1 ص135]:

    وهذا القسم – الذي سميناه: اختلاف التنوع – كل واحد من المختلفين مصيب فيه بلا تردد، لكن الذم واقع على من بغى على الآخر فيه، وقد دل القرآن على حمد كل واحد من الطائفتين في مثل ذلك إذا لم يحصل بغي كما في قوله: [مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ] .وقد كانوا اختلفوا في قطع الأشجار فقطع قوم وترك آخرون.هـ

    والنوع الثاني من الخلاف هو خلاف التضاد, وهي أن تكون الأقوال متنافية بحيث لا نستطيع الجمع بينها فهذا يحرم مثلا وهذا يحلل وهذا يقول كفر والآخر يقول معصية وكبيرة..إلخ, وهذا الخلاف قد يكون في الأصول وقد يكون في الفروع.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية [اقتضاء الصراط المستقيم ج1 ص134]:

    وأما اختلاف التضاد فهو: القولان المتنافيان: إما في الأصول وإما في الفروع.هـ

    والمصيب في خلاف التضاد واحد لا يتعدد هذا هو المذهب الصحيح.

    عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ». [البخاري 7352, مسلم 1716].

    قال الشوكاني [السيل الجرار ص18]:

    فهذا الحديث قد دل دلالة بينة أن للمجتهد المصيب أجرين وللمجتهد المخطىء أجرا فسماه مخطئا وجعل له أجرا فالمخالف للحق بعد أن اجتهد مخطىء مأجور وهو يرد على من قال إنه مصيب ويرد على من قال إنه آثم ردا بينا ويدفعه دفعا ظاهرا.هـ

    وقال الشيخ الشنقيطي [مذكرة في أصول الفقه ص485]:

    نص صريح في أن المجتهدين، منهم المخطئ ومنهم المصيب.هـ

    وقال ابن قدامة [روضة الناظر ص390]:

    مذهب من يقول بالتصويب محالٌ في نفسه؛ لأنه يؤدي إلى الجمع بين النقيضين، وهو: أن يكون يسير النبيذ حرامًا حلالًا، والنكاح بلا وليٍّ صحيحًا فاسدًا، ودم المسلم- إذا قتل الذمي- مهدرًا معصومًا، وذمة المحيل- إذا امتنع المحتال من قبول الحوالة على المليء- بريئة مشغولة؛ إذ ليس في المسألة حكم معين.

    وقول كل واحد من المجتهدين حقٌّ وصواب مع تنافيهما.

    قال بعض أهل العلم: هذا المذهب أوَّله سفسطة، وآخره زندقة؛ لأنه في الابتداء: يجعل الشيء ونقيضه حقًّا، وبالآخرة يخير المجتهدين بين النقيضين عند تعارض الدليلين، ويختار من المذاهب أطيبها.هـ

     

    الجزء الثاني

    وخلاف التضاد ينقسم إلى قسمين خلاف سائغ وخلاف غير سائغ.

    قال الشافعي…

     

     

       

    Также по теме:

    اترك تعليقاًاترك رداً على %s


     
  • آخر الأخبار

  • تعليق

      < ?php function filter_where($where = '') { $where .= " AND post_date > '" . date('Y-m-d', strtotime('-30 days')) . "'"; return $where; } add_filter('posts_where', 'filter_where'); query_posts('orderby=comment_count&posts_per_page=8'); if (have_posts()) : while (have_posts()) : the_post(); ?>
    • < ?php the_title(); ?>
      < ?php wpe_excerpt('wpe_excerptlength_index', '') ?>
      < ?php comments_popup_link('0', '1', '%'); ?>
    • < ?php endwhile; endif; wp_reset_query(); ?>
  • بيعة أمير ولاية داغستان الجديد لأمير إمارة القوقاز

    داغستان - وقائع المواجهة

    بيان أمير الجيش المهاجرين والأنصار صلاح الدين الشيشاني

    مجاهدو ولاية داغستان – الجزء الأول

    رسالة تحية من الشيخ هاني السباعي إلى أمير القوقاز الشيخ علي أبو محمد الداغستاني حفظهما الله

    خطاب أمير إمارة القوقاز الشيخ علي أبو محمد الداغستاني إلى علماء الأمة

    الاسم:

    البريد الإلكتروني:

    نص الرسالة :

    captcha